إدانة أزهرية لمطالبات فرنسية بحذف آيات من القرآن

التجرؤ على الفتوى ومخالفة شرع الله تعالى في القوانين والمواثيق الشرعية في بعض الدول العربية، وظهور التيارات المتشددة والمتطرفة والجماعات الإرهابية التي تتحدث باسم الله، وتهاون المسلمين وتخاذلهم، كان وبالا على الدين، وأساء إليه بشدة، بل وجعل الآخرين يتجرؤن على الإسلام ومقدساته.
في مقال جديد بمجلة شارل إيبدو الفرنسية، والتي سبق ونشرت رسوماً مسيئة للرسول صل الله عليه وسلم، والصحابة، نشره المدير السابق للمجلة ويدعى فيليب فال، ووقع عليه أكثر من 250 من كبار الشخصيات الفرنسية من بينهم الرئيس السابق نيكولاس ساركوزي، ورئيس الوزراء السابق إيمانويل فالس، والمغني الشهير شارل أزنافور، بالإضافة لشخصيات عامة فرنسية بينهم مسلمين، يطالبون فيه بحذف آيات من القرآن الكريم، بعلة أنها تدعو إلى قتل ومعاقبة اليهود والمسيحيين والكفار، وهو ما أثار حالة غضب بين المسلمين في العالم.
وقال مدير المجلة السابق في مقاله، إن هذه الآيات عفا عليها الزمن، وتعتبر معادية للسامية في فرنسا، وأن اليهود أصبحوا مهددين بشكل كبير هناك، وأن سبب صمت السلطات، هو اعتبارها التطرف الإسلامى مجرد ظاهرة اجتماعية.
وأشار فال، إلى أن الفاتيكان ألغى نصوصا في الكتاب المقدس غير متناسقة ومناهضة للسامية، بحيث لا يستطيع أي مؤمن الاعتماد على نص مقدس لارتكاب جريمة، مستنكرا ماوصفه بكراهية الإسلام ليست عنصرية معادية للعرب، لكن وزارة الداخلية الفرنسية أفادت بأن احتمال تعرض اليهود الفرنسيين للهجوم أكثر 25 مرة من المسلمين.
وأعادت عدة صحف فرنسية مقال فال، بعد ساعات من نشره بالمجلة الفرنسية الشهيرة، ومن أبرز تلك الصحف الفرنسية مجلة لوباريزيان، وصحيفة جورنال لو دومانش، بينما نشرت صحيفة لوموند، مقالا آخر تأييدا لمقال فال، جاء تحت عنوان «لا يمكن الدفاع عن تلك النصوص أكثر من ذلك»، وكان ذلك المقال الذي نشر باللوموند، وقع عليه أكثر من  30 إماما مسلما في فرنسا، من أبرزهم مدير مكتب مناهضة معاداة السامية بباريس سامي غزلان، ورئيس أئمة فرنسا حسن شلجومي.
ومن جانبه استنكر مرصد الإسلاموفوبيا التابع لدار الإفتاء المصرية، دعوة المدير السابق لمجلة شارل إيبدو الفرنسية، الساخرة، مبينا أن مثل هذه الدعوات الخطيرة التي يخرج بها البعض بين الحين والآخر، وتكون سببا في الهجوم والاستعداء على المسلمين هناك، ونشوء حالة من الصراع والاحتراب بين أبناء الوطن الواحد، مما يعضد من وجهة النظر الأخرى التي يتبناها البعض بأن «فرنسا ليست أرضا للإسلام»، والتي أكدتها سابقا ماريون ليون، قبل عام 2015، إلا أن هذه الدعوة قوبلت وقتها بردة فعل قوية رافضة إياها من قبل الحزب الجمهوري والسياسيين، التي اعتبروها دعوة عنصرية لا يقرها القانون الفرنسي.
وطالب مرصد الإفتاء، بردة فعل قوية ضد هذه الدعوات العنصرية على غرار ردة الفعل السابقة، مؤكدا على أن إتاحة الفرصة أمام هذه الدعوات للظهور أو التضامن معها يغذي ظاهرة الإسلاموفوبيا من جهة، ويعزز من شعور الأقليات المسلمة بالتهميش والعنصرية ضدهم من جهة أخرى، ويكون سببًا لنمو ظاهرة التطرف والإرهاب.
ونبه المرصد بأنه على المجتمع الفرنسي بكل طوائفه، ضرورة تطبيق القانون الذي يحترم ممارسة الحقوق الدينية، ويؤكد على حرية الاعتقاد، فقبل أن تكون مثل هذه الدعوات خرقًا للقانون، تكون مبررًا للبعض بألا يلتزم بالقانون ويساهم في نشوء حالة من عدم الاستقرار.
فيما ناشد مرصد الإفتاء، المؤسسات والهيئات الإسلامية في الغرب، بالتكاتف والعمل على تطبيق أخلاق الإسلام الصحيحة وإحياء فكرة التعايش مع غير المسلمين، مع احترام القانون والمحافظة على ثوابت الدين والبعد عن الصراع والانقسام.
أما مرصد الأزهر الشريف لمكافحة التطرف، فقد أعرب عن أسفه لهذه النداءات، مؤكدا على قدسية القرآن التي لا يمكن المساس بها، ولا يمكن للمسلمين القبول بتجميد بعض آياته التي أنزلت من لدُن حكيمٍ حميد، فاعتبار القرآن مصدرا للعنف لا يقوم على سند صحيح، وأن هناك فارق شاسع بين المعنى الظاهر لآية وتأويلها، وهذه القاعدة يعلمها كل الفقهاء.
وأوضح مرصد الأزهر، بأنه لا ينبغي الاكتفاء بظاهر آية، بل لا بد من الوقوف على مرادها ومعرفة في أي سياق تاريخي نزلت، وأسباب نزولها ووجه العموم فيها والخصوص، أضف إلى ذلك معرفة خصائص اللغة التي نزل بها القرآن.
ونبه المرصد على عدم اعتبار القرآن مصدرا للعنف لمجرد أن أوَّلت الجماعات المتطرفة بعضَ آياتِهِ تأويلًا خاطئًا، ولهذه الأسباب، لا يمكن الحكم مطلقًا على أن القرآن يحتوي على آيات تدعو للعنف، مؤكدا على احترام المسلمين ليس فقط لأهل الكتاب بل لكل من يخالفهم، فالقرآن يحرص على سنة التنوع في أكثر من موضع ويدعو للتسامح والعيش المشترك والتعاون بين المسلمين ومَن يخالفهم على الإحسان والبر وكل عمل صالح.
وشدد مرصد الأزهر، على أن القرآن محفوظ في صدور المسلمين قبل أن تحفظه السطور، وهذا الحفظ وعد من الله عز وجل فلا يضره حقد حاقد أو رفض مخالف، و المصحف الذي بين أيدينا هو ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام،
ومن ناحيته، استنكر الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر الشريف، تلك المطالبات التي تدعوا إلى تجميد آيات في القرآن الكريم، بدعوى أنها تحث على قتل غير المسلمين، قائلا بأنها دعوات غير مبررة وغير مقبولة وهي والعدم سواء، وتدل على جهل مطبق لديهم على أفضل تقدير.
وقال وكيل الأزهر، «إليس لدينا آيات تأمر بقتل أحد من دون ارتكاب جريمة من الجرائم الموجبة لقتل الفاعل كقتل الغير عمدا، أو رفع السلاح لقتالنا، ولسنا مسؤلين عن عدم فهم الآخرين لمعاني الآيات وأخذهم بظاهرها دون الرجوع إلى تفاسير العلماء لها، فما ظنه هؤلاء آيات تنادي بقتلهم هي آيات سلام في حقيقتها، فآيات القتال كلها واردة في إطار رد العدوان إذا وقع علينا وليس إيقاعه على الغير».
وصرح شومان بأن هذا مبدأ لاخلاف حوله حتى بين المطالبين بتجميد هذه الآيات، فكل الأديان وحتى التشريعات الوضعية تقر حق الدفاع عن النفس والوطن والعرض وغيرها من صور الاعتداء، وحتى الأمر بإعداد القوة لإرهاب المعادين في قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)، وهي في حقيقتها آية سلام.
وأوضح وكيل الأزهر بأن من يفكر في حربنا إذا اطلع على قوتنا خاف من مواجهتنا فامتنع عن الاعتداء علينا وعن قتالنا، ونحن لانقاتله طالما سالمنا، فكان إعداد القوة والتسلح بها مانعا للحرب بيننا وبينهم، فليفهم هؤلاء كتاب الله فهما صحيحا، أما إذا اعتمدوا على فهمهم المغلوط فليذهبوا بفهمهم ومطالبتهم إلى الجحيم.